وهبة الزحيلي

23

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فَإِيَّايَ في جواب شرط محذوف ، إذ المعنى : إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض ، فأخلصوها في غيرها . كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي تناله لا محالة . تُرْجَعُونَ للجزاء ، ومن هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد لذلك الجزاء . لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم ، وقرئ : ( لنثوينهم ) أي لنقيمنهم ، من الثواء ، أي الإقامة ، وتعدية هذا الفعل إلى كلمة غُرَفاً : بحذف مِنَ أي تكون منصوبة بنزع الخافض ، أو لأنه أجري مجرى ( لننزلنهم ) . خالِدِينَ فِيها ماكثين فيها على الدوام . نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ وقرئ : « فنعم » والمخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله ، أي نعم هذا الأجر . الَّذِينَ صَبَرُوا أي هم الصابرون على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدين وغير ذلك من المحن والمشاق . وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي ولا يتوكلون إلا على اللّه ، فيرزقهم من حيث لا يحتسبون ، لأن الرازق هو اللّه الذي يهيئ الأسباب للرزق وحده ، فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة . وَكَأَيِّنْ أي كم . لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي لا تطيق حمله لضعفها . وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم . الْعَلِيمُ بضمائركم . سبب النزول : نزول الآية ( 56 ) : يا عِبادِيَ : نزلت في ضعفاء مسلمي مكة ، كانوا في ضيق من إظهار الإسلام بها . قال مقاتل والكلبي : هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة ، أي في قوم تخلفوا عن الهجرة وقالوا : نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة . نزول الآية ( 60 ) : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ : عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون : اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ، ولا تجاوروا الظلمة ، قالوا : ليس لنا بها دار ولا عقار ، ولا من يطعمنا ، ولا من يسقينا ، فنزلت الآية : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ، اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أي ليس معها رزقها مدخرا ، وكذلك أنتم يرزقكم اللّه في دار الهجرة .